ابن رشد

178

تهافت التهافت

الأشياء وإلا لكان مستفيدا وصفا وكمالا من غيره وهو محال في واجب الوجود ولكن علمنا على قسمين علم شيء حصل من صورة ذلك الشيء كعلمنا بصورة السماء والأرض وعلم اخترعناه كشيء لم نشاهد صورته ، ولكن صورناه في أنفسنا ثم أحدثناه فيكون وجود الصورة مستفادا من العلم لا العلم من الوجود ، وعلم الأول بحسب القسم الثاني . فإن تمثل النظام في ذاته سبب لفيضان النظام عن ذاته . نعم لو كان مجرد حضور صورة نقش أو كتابة خط في نفوسنا كافيا في حدوث تلك الصورة لكان العلم بعينه منا هو القدرة بعينها والإرادة بعينها ، ولكنا لقصورنا فليس يكفي تصوّرنا لإيجاد الصورة بل نحتاج مع ذلك إلى إرادة متجددة تنبعث من قوة شوقية ليتحرك منهما القوة المحركة للعضل والأعصاب في الأعضاء الآلية ، فيتحرك بحركة العضل والأعصاب اليد أو غيره ، ويتحرك بحركته القلم أو آلة أخرى خارجة وتتحرك المادة بحركة القلم كالمداد أو غيره ، ثم تحصل الصورة المتصورة في نفوسنا فلذلك لم يكن نفس وجود هذه الصورة في نفوسنا قدرة ولا إرادة بل كانت القدرة فينا عند المبدأ المحرك للعضل ، وهذه الصورة محركة لذلك المحرك الذي هو مبدأ القدرة وليس كذلك في واجب الوجود فإنه ليس مركبا من أجسام تنبث القوى في أطرافه ، فكانت القدرة والإرادة والعلم والذات منه واحدا . وإذا قيل حي لم يرد به إلا أنه عالم علما يفيض عنه الموجود الذي يسمى فعلا له ، فإن الحي هو الفعال الدراك فيكون المراد به ذاته مع إضافة إلى الأفعال على الوجه الذي ذكرناه لا كحياتنا فإنها لا تتم إلا بقوتين مختلفتين ينبعث عنهما الإدراك والفعل ، فحياته عين ذاته أيضا . وإذا قيل له جواد أريد به أن يفيض عنه الكل لا لغرض يرجع إليه والجود يتم بشيئين أحدهما أن يكون للمنعم عليه فائدة فيما وهب منه ، فلعل من يهب شيئا ممن هو مستغن عنه لا يوصف بالجود والثاني أن لا يحتاج الجواد إلى الجود فيكون إقدامه على الجود لحاجة نفسه ، وكل من يجود ليمدح أو يثنى عليه أو يتخلص من مذمة فهو مستعيض وليس بجواد وإنما الجود الحقيقي للّه تعالى فإنه ليس يبغي به خلاصا عن ذم ولا كمالا مستفادا بمدح ، فيكون الجوّاد اسما منبئا عن وجوده مع إضافة إلى الفعل وسلب للغرض ، فلا يؤدي إلى الكثرة في ذاته . وإذا قيل خير محض فإما أن يراد وجوده بريئا عن النقص وإمكان العدم فإن الشر لا ذات له بل يرجع إلى عدم جوهر ، أو عدم صلاح الجوهر وإلا فالوجود من حيث أنه وجود خير ، فترجع هذه الأسماء إلى السلب لإمكان النقص والشر وقد يقال خير لما هو سبب لنظام الأشياء والأول مبدأ النظام كل شيء فهو خير ويكون الاسم دالا على الوجود مع نوع إضافة . وإذا قيل واجب الوجود فمعناه هذا الوجود مع سلب علة لوجوده وإحالة علة لعدمه أولا وآخرا . وإذا قيل عاشق ومعشوق ولذيذ وملتذ فمعناه هو أن كل جمال وبهاء وكمال فهو محبوب ومعشوق لذي الكمال ولا معنى للذة إلا إدراك الكمال الملائم ومن عرف كما نفسه في إحاطته بالمعلومات لو أحاط بها وفي جمال صورته وكمال قدرته وقوة أعضائه وبالجملة إدراكه لحضور كل كمال هو ممكن له لو أمكن أن يتصوّر ذلك في إنسان واحد لكان محبا لكماله وملتذا به وإنما تنتفض لذته بتقدير العدم والنقصان ، فإن السرور يتم بما يزول أو يخشى زواله والأول له البهاء الأكمل والجمال الأتم ، إذ كل كمال هو ممكن له فهو حاضر له وهو مدرك لذلك الكمال مع الأمن من إمكان